يعدّ الفنان التشكيلي والناشط الحقوقي في المركز الكردي للدراسات و الاستشارات القانونيّة- ياسا الزميل خضر عبد الكريم واحداً من أبرز الأصوات الفنية الكردية المعاصرة، وقد استطاع عبر تجربته الإبداعية الممتدة أن يكرّس الفن التشكيلي كأداة للدفاع عن حقوق الإنسان، ووسيلة لتوثيق ذاكرة شعب تعرض للاضطهاد والتهميش لعقود طويلة. وقد حقق الفنان إنجازاً لافتاً بحصوله على الجائزة الدولية في المسابقة الدولية لفناني الأقليات على موضوع الانتماء والمكان والفقد في نسختها الرابعة حيث شارك في المسابقة 244 فناناً تشكيليّاً من مختلف دول العالم ، إلى جانب تكريمه بـ شهادة البورد الأميركي للتطوير والتدريب الدولي بوصفه إحدى أبرز الشخصيات الإنسانية لعام 2025

يمثل هذا الإنجاز اعترافاً مزدوجاً بقيمته الفنية من جهة، وبجهوده الإنسانية من جهة أخرى، وهو ما يعزز حضوره كأحد الفنانين الذين جمعوا بين الإبداع التشكيلي والدفاع عن القضايا الحقوقية من موقع صادق وتجربة شخصية عميقة.
منذ بداياته المبكرة، اشتغل الفنان خضر عبد الكريم على محاور ترتبط بالإنسان الكردي، بالهوية، بالذكريات، وبالسرديّات التي غُيّبت عمداً عن المشهد العام. لوحاته ليست مجرد أعمال تصويرية، بل هي “شهادات بصرية” على الألم، واللجوء، والبحث عن الانتماء، وعلى الحنين الذي يربط الإنسان بأرضه رغم المسافات والمنفى. تعكس أعماله قدرة واضحة على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب إنساني عالمي، وهذا ما جعله يحظى بتقدير دولي متزايد.
تتميز أساليبه الفنية بمزيج من التعبيرية والرمزية، وبطبقات لونية كثيفة تتداخل فيها الأشكال البشرية والعناصر الطبيعية، في ما يشبه “نسيج ذاكرة” لا ينفصل فيه الفرد عن الجماعة. وتظهر في أعماله الرموز العميقة: اليد الممدودة، الخطوط المتكسرة، العيون المفتوحة على الغياب، الخرائط المتداخلة، الأقدام التي ترحل دائماً ولا تصل، والوجوه التي تبحث عن مكانها في عالم مضطرب.
في نسخة العام 2025 من المسابقة الدولية لفناني الأقليات حول الانتماء والمكان والفقد، والتي نُظمت في جنيف – سويسرا من قبل جهات دولية مرموقة تشمل:
مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان – المتحف الحر– مجموعة حقوق الأقليات – بلدية جنيف – بدعم من مركز إيكولينتس للفنون و مؤسسة لوتري.
قدّم الفنان خضر عبد الكريم لوحات مؤثرة تحمل طابعاً إنسانياً شديد العمق، وتُعالج موضوعات الذاكرة المفقودة والهوية المتشظية والرحيل القسري.
اللوحة شنكال ترسم مشهداً بصرياً مركباً تتداخل فيه ملامح بشرية مع رموز من التراث الكردي وخرائط متكسرة وأيدٍ مرفوعة، وكأن اللوحة تحاول أن تجمع في إطار واحد سردية شعب كامل. يظهر في العمل توتر واضح بين اللون والفراغ، بين الامتلاء
بالنصوص والرموز، وبين البياضات التي تشير إلى محو الذاكرة أو محاولة محوها. هذا التكوين المركب خلق لغة فنية قادرة على مخاطبة المتلقي مهما كان انتماؤه، الأمر الذي جعل لجنة التحكيم تمنحه تنويهها الخاص

بينما تمثّل لوحة يوميّات سجن صيدنايا و هي اللوحة الثانية التي تقدم بها للمسابقة و فاز بها مشاهد التعذيب, شوق السجناء للحريّة و كذلك طرق المقاومة اللتي وجدها السجناء من خلال الرسم و الابداع.

وأثناء حفل تكريم الفنّان في 25 نوفمبر 2025 قدّم كلمة مؤثّرة تعكس ارتباطه العميق بقضيته، حيث تحدث عن جذوره الكردية في روجآفا كردستان الجزء الكردستاني الذي ألحق بسوريا بعد اتفاقية سايكس-بيكو، وعن أثر تلك التحولات التاريخية على الإنسان الكردي. وقد جاء حضوره على المسرح، وخلفه إحدى لوحاته الكبيرة، ليجسد المعنى الحرفي لفكرة “الفنان الذي يحمل ذاكرة شعب”.
إلى جانب الجائزة الدولية، حصل الفنان على شهادة تقدير من البورد الأميركي للتطوير والتدريب الدولي بالتعاون مع مؤسسة سما الوطن الإنسانية للتنمية البشرية، وجاء هذا التكريم تتويجاً لجهوده في نشر روح الإنسانية والمحبة والتعايش السلمي. يشير هذا التكريم إلى أن مسيرة الفنان ليست مجرد مسيرة فنية، بل هي مسيرة إنسانية تعنى ببناء السلام، وإحياء قيم التعايش، ودعم حقوق المظلومين، مما يجعله شخصية ذات أثر ثقافي وحقوقي في آن واحد.
إن إنجازات الفنان خضر عبد الكريم لعام 2025 تمثل محطة مهمة في رحلته الطويلة، وتفتح أمامه أفقاً أوسع لإيصال صوت شعبه إلى العالم. كما تشكل أعماله إسهاماً أصيلاً في الفن الكردي المعاصر، وتبرز قدرته على تحويل الألم إلى جمال، والمنفى إلى رسالة إنسانية، والذكريات إلى لغة تشكيلية تتجاوز الحدود السياسية والثقافية والجغرافية.
ويمكن القول إن هذا التكريم الدولي هو احتفاء بكلّ ما تمثله أعماله من ذاكرة جمعية وهوية ومقاومة، ويضع الفن التشكيلي في مكانه الطبيعي كوسيلة لفهم الإنسان، والدفاع عنه، والاحتفاء بوجوده رغم الفقد والمنفى
